خلف البيت

18-11-2020 12:37:14    مشاهدات116



واي إن إن- ابراهيم الحمزي


خرير المياه يتراقص في الأذان ليسبب موسيقى الهدوء في عالم لا يشبه عالم آخر ، عالم الأرياف المكتضة بالاسرار المخفية والتي يظهرها الوقت ، المياه الصافية تشكل احواض صغيره وكبيرة ومليئة بالسمك والحيتان الصغيرة التي تلهو في عالمها الخاص ، الأشجار الخضراء على الجبال وعلى قممهن قطرات الندى ورطوبة نسمات الليل الباردة والهادئه ، الأغنام منتشرات وسط الجبل يأكلن الحشائش الخضراء وأوراق الأشجار المفيده لهن ، أصوات الأطفال والرعيان يخالط صوت هبوب الرياح الدافئة والممتزجة مع خطوط أشعة الشمس الوارفة بالحياة ، تلك الأشعة التي تقتل ما تبقى من ظلام الليل أسفل الجبال وفي الأزقة.
قعدت نجلاء تنظر نحو الأسفل على صخرة مطلة على السائلة المكتضة بالأطفال والشباب الذين يسبحون ويصطادون الأسماك الصغيرة ويضعونها داخل أوعية مليئة بالماء لكي تظل السمكة على قيد الحياة ، فقد كانوا ينقلون الأسماك من السائلة - النهير الصغير - إلى خزاناتهم في القريه لكي يأكلن الحشرات داخل تلك الخزانات الأرضية ، تنظر نجلاء نحو الأسفل وتنادي اغنامها بصوت رقيق ذو نغمة هادئة تشرح الصدر وتفلقه لتدخل على هيئة نداء رباني يدعو إلى السكينة والطمأنينة في عالم الروحانية ، تذهب احزان الحياة وتزيل همومها ، رفعت يدها اليمنى وازاحت حجابها الذي يغطي وجهها المستدير ، طبقة صفراء مطلية على بشرتها الناعمة التي تعرض سحر الإله وابداعه في الخلق النسائي البديع ، كان ذلك الطلاء الأصفر الذي يسمى « الهرود » طلاء أصفر نباتي يحمي بشرة النساء من لذعات الشمس الحارقة التي تسبب الدكنات السوداء في الوجوه النقية البيضاء للنساء ، كانت تحرك عينيها الكحليتين يمنة ويسره ويخيل للمشاهد بأنها تحرك الأرض معها ، كأنها محور توازن الأرض وعينيها من يتحكمن بذلك الاتزان ، لها شفايف منسوجات من أوراق شجرة تفاح الجنة ، ذو لون وردي مائل إلى الاحمرار ، لوزة تأكل منها دون أن تشبع ، وبئر خمر سقط من الجنة مع فمها تشرب منه دون أن ترتوي ، صغير الحجم وكأنه فواهة سلاح يقتل كل من أقترب منه.
- يا سميه !!!
نادت نجلاء بصوت مرتفع ورقيق أفزع سكان الجبال من الجن والعفاريت لينظروا إليها ، ويتاملو من غلبهم في رقة الصوت وحنانه.
- ايواه !
أجابت سمية من الأسفل.
- تعالي عندي ، معي لكِ موضوع مهم.!
- بس الغنم وحدهن.
- سنرى كل الأغنام من هنا ، تعالي ولا عليك !
أصرت نجلاء على زميلتها سمية أن تصعد إليها ، صعدت سمية بعد إلحاح كبير من جانب نجلاء ، كانت سمية تتذمر بغنج ودلال إمرأة تكتسب المزيد من الأنوثة والدلال.
قالت وهي صاعدة نحو الأعلى :
- الله يعلم نجلاء ما تخبئ عليا من أسرار ، البنت هذه كثيرة كلام !
واصلت المسير صعوداً نحو التبة التي تستقر عليها نجلاء ، كانت الطريق وعرة بعض الشئ ، تتشبث بجذوع الأشجار لكي تصعد بسهولة وتنحني إلى الأرض لكي تقبض على الصخور وتصعد الأماكن الصعبة ؟
- سمية ! وين قدكِ ؟
- الله يقلعك يا نجلاء ، الشوك التصقين على «البالطو » العباية التي تغطي المرأة ، لماذا لا تنزلي انتِ إلى هنا ؟
- تعالي يا قمر ، لم يتبقى إلا القليل ، نستطيع أن نراقب الأغنام بسهولة من هنا !
- سهل يا نجلاء ، أنتِ دائما معانده ..
قالت سمية ذلك بتذمر وغضب ثم أزاحت الشوك من أمامها وصعدت بخفة طير خرج للتو من قفصة حرا طليق.
وصلت سمية إلى حيث تعقد نجلاء وفي يدها عصا متوسطة قد بترتها من إحدى الأشجار في طريق صعودها ، اتجهت مسرعة نحو نجلاء وهي ترفع عصاها إلى الأعلى وتقول :
- انتظري يا حماره ، انتظري !
رفعت نجلاء كلتا يديها وبدأت تضحك حتى أصيبت كل جن الجبال بالغمى والدوخة ، قالت والمضحكة تتداخل كلامها المبعثر :
- خ ........ خلاص ..... ههههه .... خلاص آخر مره !!
ضحكت سمية وقعدت بجانب نجلاء ثم نظرت إلى ثيابها وقد التصق عليها الشوك وأوراق بعض الأشجار التي تلتصق بالثياب . تنفست بعمق ثم قالت :
- انظري الى الشوك ، من سيزيلهن ؟ مثل هذه الأشواك لا نستطيع التخلص منهن إلا بعد عدة أيام.
- سهل يا سمية ، خطيبك صلاح سيشتري لك كل شيء !
- تصدقي يا نجلاء ما قد حصلت منه حتى حبة عصير !
- ولكنه يحبك !
- وكيف عرفتي ذلك ؟
- يقعد بيتكم طوال الوقت !
- لم يأتي من اجلي ، كل الشباب يخزنون في مجلسنا مع إخوتي!
- ألم تلاحظين شيئاً يا سمية ؟
ألتفتت نحو نجلاء بدهشة ثم رفعت حواجبها واغمضت عينيها كلمحة برق وقالت :
- ماذا ؟
- هدى بنت ناجي سيف !
اعتدلت في جلستها ثم مالت باتجاه نجلاء مباشرة وقالت بهمس وصوت رقيق :
- صحيح ! لم نراها منذو خمسة أشهر !
وضربت كف على كف واردفت قائله :
- ولكنها مسكينة تحملت كل أعباء الحياة وشوؤن المنزل بعد وفاة والدتها قبل سنتين !
- حتى لو عليها كل شوؤن المنزل يا سميه ، حتى إننا لا نراها تخرج إلى خزانهم لتجلب الماء ، أو تخرج الى الفناء لتربط بقرتهم ، ألم تلاحظين شيئاً غريب ؟
صمتت سمية ونظرت نحو الأسفل باتجاه الأغنام ، خلعت ( القفشي ) - قبعة من سعف النخيل توضع على رؤوس النساء والمزارعين في الأرياف - فتحت عينيها بدهشة ثم قالت لنجلاء :
- الأغنام حقك يا نجلاء !
- مالذي حصل لهن ؟
- يأكلن من زرع طاهر حمود ، إذا رآهن ( الشارح )- الذي يراقب الزرع من الأغنام - سوف يقتلهن !
هرولت نجلاء مذعورة وهي تنادي اغنامها بخوف ، كانت تدفع بنفسها نحو الأسفل غير ابهة بسلامتها ، كل ما يهمها هو إنقاذ اغنامها من شر ذلك الرجل المشهور بقتل الأغنام وسط حقوله الزراعية ، وصلت إلى حيث الأغنام واخرجتهن بسرعة وهي تتلفت يمنة ويسره والخوف يسري في عروقها مع الدم ، ذبل ثغرها وكأنه وردة حمراء تعرضت للشمس لفترة طويلة ، من حسن حضها بأن الشارح الذي يراقب حقول طاهر لم يكن منتبه ولكنه كان في سبات عميق ، وبجانبه السلاح الدبشك الملقم بالذخيرة.
وقت الظهيرة والشمس في قمة وهجانها العنفواني ، كانت نجلاء تسوق الأغنام أمامها ، بينما كانت سمية تحمل حزمة من الحطب اليابس الذي جلبته من الجبل ، دوى صوت الآذان من مكبرات صوت الجامع الذي يتوسط القريه بمنارته الطويلة ذو الفن المعماري القديم ، أسرعت نجلاء الخطى بعد أن ودعت سمية ، كانت الرياح قوية والسحب قد بدأت تتجمع تحت سماء القرية ، تدفع الرياح نجلاء إلى الخلف ولكنها تقاوم ، قابضة بشدة على حجابها خشية السقوط بسبب شدة الرياح ، مفاتنها تظهر كالبدر الذي ينير الظلمات ، تفاحتين على صدرها ناضجات وجاهزات للأكل على الريق في الصباح الباكر وفي ساعات الهدوء المسائية ، فمثل تلك التفاح ينصح الطبيب بأكلهن في كل وقت لسد رمق الجوع الروحي في الليالي الحالكات ، سيقانها عمودان من أعمدة السماء ، قامة معتدلة تزين جسمها المثير الذي يشكل سرير طبيعي يتمنى الجميع النوم عليه ولو للحظة واحدة.
كانت نجلاء تفكر بهدى إبنة ناجي سيف ، فقد كانت زميلتها في المرعى ، لماذا كل هذا الغموض والاختفاء ؟ حتى في صلاتها تفكر بهدى ، وهي تتناول الطعام كانت شاردة الذهن تفكر بهدى.

أتى الليل ليزيل كل الغموض ، ويريح كل مهموم ، ويسعد كل حزين ، ويحزن كل من هو غارق في بحر الحزن ولم يستطيع النجاة منه ، أتى ليبعثر الذكريات على شواطئ الفقد الجلل ، وينثر الأوجاع على ساحة قلوب العاشقين ، ويعزف الآهات على أرواح المحبين ، ويقراء الفاتحة على أرواح الموتى ، أتى ليشكل ظاهرتا المد والجزر في ذاكرة كل محب وتائه ومشرد.

كانت هدى على سرير أمها تصيح بصوت مرتفع يداخله الأنين ، شقيقها الأكبر يضع كلتا يديه على فمها ليسده ، يركلها والدها على الظهر ليسبب لها الألم الآخر ، العرق يتصبب من جبينها ، وجهها يكاد يقطر دماً من شدة التعب والارهاق ، حنجرتها كادت أن تطير مع قوة الصراخ ، صدرها بارز بشدة يوحي بادرار الحليب للطفل الذي سيأتي ، تصرخ وشقيقها يكتمها بقوه ، افخاذها ممتدة وجسدها تارة يشتد وتارة يرخو.
- ابه ! تكلم شقيقها بهمس !
نظر والده نحوه وعيونه ممتلئات بالدموع :
- نعم !
- أتصل لخالتي تقى!
- تريد أن تفضحنا يا مفضوح !
- من سيفضحك يا أدنى مخلوقات الله .... هذه تربيتك يا مجرم ، قبل سنتين خنقت أمي ورميت بها إلى خزان الماء وقلت بأنها سقطت ، تقدم العديد من الشباب لخطبتها وأنت ترفضهم وتقول لهم بأنها تساعدك في أعمال البيت ، لذلك نتيجة حماقاتك وأخطأئك يا طاغيه ! والآن بنتك تحبل وتجلس تسعة أشهر وأحنا في المدينة وأنت ما تتكلم !
ملامح الحسرة والندم يبدين على وجه والدها ، الأسف يتحوقر في عينيه ، الحرقة تنزف من بين شفتيه ، الفضيحة تخرج من شعر رأسه مروراً بالقلب وتحدث فيه تكسرات بالغة الأثر ، يبكي ويلطم وجهه ، يضرب برأسه على حائط الغرفه ثم ينظر نحو ابنة الذي يكتم صوت هدى ويقول له :
- لم اخنق أمك ، هي من رمت بنفسها إلى الخزان !
يصيح الإبن بغضب :
- كذاب ، كذاب ، مفتري
- نعم رمت بنفسها لأنها وجدت أختك هذه حامل في شهرها الرابع ، وعملت على إنزاله ثم رمت بنفسها خشية الفضيحة يا صالح .. وبدأ يبكي .
يمسح العرق من جبينه ثم يسأل والده بغضب :
- ولماذا لم تخبرني بأنها حملت من قبل يا كلب ؟
- كانت تهددني بالقتل !
نهض شقيقها ولطمها حتى طبعت يده على وجهها ، ركلها بالبطن ثم دنى منها وقال :
- من فعل بك هذا ؟ لا أريد أن اركلك على البطن الآن الصغير ليس لديه ذنب ، أنتم من تحملتم بذنبه ليخرج كفضيحة وخطيئة الى هذه الأرض القذرة !
- أسأل ........ أسأل اااااااااااااح ....... أسأل أبي !
- كتم صوتها والتفت ناحية والده ثم سأله بغضب :
- من فعل بها هذا يا مجرم ؟
- سعد جباري !
- وكنت تعلم بهذا ولم تخبرنا بأن أختي ..........!
- كان يأتي للمقيل معي ، لم أكن أعلم بنيته الخبيثة يا ولدي ، انت تعلم بأني لا أرى إلا بمقدار ضئيل ، كان يتأخر عندي في البيت الى أوقات متأخرة في الليل ، وعندما يريد الخروج ، كان يذهب بسرعة ويختبئ في السطح أو بجانب البقرة أو في غرفتها ، أخرج بعده وأحصل على الباب مفتوحاً كتمويه بأنه قد خرج ، وتكون هدى قد فتحته لكي أعتقد بأنه قد خرج ، أعود إلى مكاني وتبدأ سمرتهم !
- وكيف عرفت بهذه التفاصيل ؟
- أتى قبل ثلاثة أشهر إبن أختك صفيه ونام معنا وعرف كل شيء!
- لنقتلها الآن !
- لا لا لا لا ، ساتصل بخالتها ، إذا قتلناها اليوم سيعرف الناس في القريه ، خالتك ستخطط لشئ ما.
أتصل طاهر بخالتها وأتت بسرعة ، كانت تمشي في الوادي وفي يدها كشاف ضئيل النور ، عرجاء وقصيرة القامة ، ترفع قميصها إلى منتصف ساقيها وتمشي بخفة وهدوء لكي لا تصدر صوتاً ينتبه له أهالي القرية ويعرفون إلى أين هي متجه ؟
كان الليل يضع يده على القرية ليسترها من عيون العفاريت المترصدين ، والجن المتمترسين ، إلا أن عفاريت الأنس راوء العجوز - خالتها - تقى تداهم هدوء الليل بخطوات عرجاء ولكنها ثابتة .
قال أحد المتجسسين :
- لن تذهب تقى العرجاء في هذا الوقت إلا لشئ مهم !
- لنذهب وتنظر ماذا هناك!
- أتركها تدخل ونجلس أعلى المنزل ، أو بجوار النافذة !
- أخفض صوتك !!
- أعلم ذلك ..

دخلت تقى وأغلقت الباب خلفها وأخذت الفانوس من الحاج طاهر ، علقت الفانوس على الحائط وقعدت بين سيقان هدى !
- صالح أكتم صوتها هذه الملعونه بنت الملعون !
- تمام !
- هدى خذي هوى وادفعي بالجنين بكل قوه.
أخذت هدى نفس طويل وبدأت تعج بقوة والألم ينخر في أحشائها ، كانت تقى تضربها ضربات خفيفة على الفخذ وتقول لها :
- ساعة الجماع حالي يا بنت الكلب ،
بعد ثلاث دقائق خرج طفلاً بريئا ليس له خطيئة سوى أنه وجد نفسه فجأة في رحم والدته ، كان نتيجة لذة بين رجلاً وامرأة ، إلا أن قساوة البشر لم تتركهم ينظرون إليه برحمة ، بدأ الطفل يبكي إلا أنه صمت عندما مسحت تقى على وجهه ثم أنزلت يدها اليمنى ولوتها في عنقه وكتمت أنفاسه تماماً ، أخرجت تقى الطفل من وسط أفخاذ والدته ثم رفعته قليلاً وسلمته الى صالح شقيق هدى ..
- اقبره الله يرحمه !
- خرج متوفي !
- غطوا فضيحتكم يا مفاضيح !
- وين ؟
- خلف البيت

تمت
إعلان
تابعنا