عن مباحثات بغداد السعودية الإيرانية

09-10-2021 09:31:48    مشاهدات124

واي إن إن - نبيل البكيري

منذ الانسحاب الأميركي من أفغانستان في أغسطس/ آب الماضي، والمشهد الإقليمي في تحوّل مستمر، على أكثر من صعيد، في مؤشّر على مدى تسارع الأحداث في المنطقة كلها، إثر هذا الحدث الكبير، المُؤذن بتراجع الدور والنفوذ الأميركيين، بطريقةٍ أو بأخرى، بعد عشرين عاما من احتلال القوات الأميركية أفغانستان، وخروجها بهذه الطريقة الدراماتيكية التي تؤسس لمرحلة عالمية مختلفة عما قبلها، فأميركا تتراجع حتما، هذا ما يقوله وقاله كثيرون من المهتمين بالشأن الأميركي، وفي مقدمتهم المفكر الأميركي من أصول يابانية، فرنسيس فوكوياما، وربما اتفق معه في هذا القول إلى حد كبير اليساري الأميركي، نعوم تشومسكي، وإن اختلفت مقدّماتهم وتعليلاتهم لأسباب هذا التراجع، لكنها، في الأخير، تصبّ في نقطة جوهرية، وهي تراجع أميركا في منطقة الشرق الأوسط، وظهور أولويات أخرى لدى الإدارة الأميركية الراهنة.
على وقع كل هذه التطورات، رأينا كيف سارعت كل من السعودية وإيران إلى الجلوس على طاولة مباحثات سرّية في بغداد، الخاضعة لنفوذ إيراني طاغ منذ نحو عشرين عاما، منذ إسقاط نظام الرئيس العراقي صدّام حسين، المهمة التي تعاونت فيها أميركا مع إيران التي تمكّنت من إنهاء دولة قوية ووازنة في المنطقة العربية، لطالما عملت على إيقاف تمدّد النفوذ الإيراني في المنطقة العربية.
... بعد قطيعة خمس سنوات، شهدت سحب السفراء وتوتر العلاقة بين طهران والرياض، على وقع أكثر من أزمة في المنطقة التي يرى الإيرانيون أنهم أصبحوا قاب قوسين أو أدنى، وأقرب من أي وقت مضى، لتتويج نفوذهم وهيمنتهم الكاملة عليها، ابتداءً من بغداد، مرورا بدمشق وبيروت، وصولا حتى صنعاء، وتطويق الخليج وحصاره من ثلاثة اتجاهات رئيسية، بحسب الإماراتي عبد الخالق عبدالله، وعلى الرغم من ذلك، ها هما الطرفان، الإيراني والسعودي، على طاولة حوار مفتوح، وفي بغداد التي تعدّ اليوم أهم معاقل الهيمنة والنفوذ الإيرانيين في العالم العربي، بعد أن كانت أهم قلاع الأمن القومي العربي الممانعة لإيران، بعد هذه السنوات وما كانت عليه التوترات، تجري المباحثات السعودية الإيرانية، وترعاها اليوم بغداد، ولا تعبّر عن شيء مثلما تعبّر عن حالة الارتباك الحاصل في المنطقة. بالنسبة للسعوديين، يرون أن هذا مسار مهم لتفادي تداعيات الانسحاب الأميركي عليهم، فيما يراه بعضهم استعجالا سعوديا واضحا لا يخدم أحدا مثلما يخدم الجانب الإيراني الذي يسوّق لأتباعه قدرته على إخضاع الجانب السعودي، وجلبه إلى طاولة مفاوضاتٍ في الزمان والمكان اللذين يريدهما الإيرانيون أنفسهم. ولهذا السبب، بالغ هؤلاء في الحديث عن هذه المباحثات، وحمّلوها أكثر مما تحتمل، وأكثروا حولها التسريبات التي نفى بعضها الجانب السعودي، ومنها الخبر المزعوم عن وفدٍ سعودي زار طهران ومشهد لإعادة فتح السفارة والقنصلية السعوديتين هناك، عدا عن تسريبات، بخصوص التوافق على إنشاء طريق برّي، يربط بين مدينة مشهد الإيرانية ومكة المكرمة مرورا بمدينة كربلاء العراقية، وكل هذه مجرّد تسريبات عن هذه المباحثات التي لم يرشح عنها شيءٌ بعد سوى هذه التسريبات.
هذا معاون وزير الخارجية الإيرانية لشؤون الخليج، علي رضى عنايتي، قال إن الرياض تتخذ نهجا جديدا في التعامل مع قضايا المنطقة، وإن إيران والسعودية عقدا ثلاث جولات من المباحثات التي انطلقت في مارس/ آذار الماضي، وستعقد الجولة الرابعة لاحقا، وأفاد بأنه لا يجب النظر إلى هذه المباحثات من زاوية الانسحاب الأميركي.
يشي هذا التفاؤل الإيراني بنوع من الرغبة الإيرانية الشديدة لمثل هذه المباحثات أكثر من السعودية، نظرا إلى المتغيرات الكثيرة التي طرأت على المشهدين، الدولي والإقليمي، وفي مقدمتها المتغير الأفغاني الذي أصاب الاستراتيجية الإيرانية في مقتل، بصعود حركة طالبان إلى حكم أفغانستان التي كانت محميةً نفوذ إيراني أميركي مشترك عشرين عاما، وفجأة تتلاشى كل الترتيبات الإيرانية هناك في طرفة عين. ليس هذا فحسب، فالتطورات أخيرا بين إيران وأذربيجان هي الأخرى لا تخرج عن هذا السياق، بالنظر إلى أن أذربيجان اليوم منتشيةٌ بانتصارها الكبير على أرمينيا التي كانت حليفا لإيران، وهذا كله، يضع إيران في موقفٍ لا تُحسد عليه، بخصوص هذه التطورات على حدودها الشرقية الشمالية، ما يعني أن الجوار الإقليمي الإيراني اليوم لم يعد في صالح إيران التي سعت، عقودا طويلة، إلى التحكّم بمنظومة الأمن الإقليمي لهذه الدول.
عدا عن هذا، يدرك المتابعون للمشهد الإيراني الداخلي حجم الاحتجاجات الداخلية على الوضع الاقتصادي المتردي، وكيف أضاف هذا عاملا آخر من عوامل عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي المفقودين إيرانيا، الأمر الذي يعدّ أكبر تحدٍّ أمام رئاسة إبراهيم رئيسي، بعدما لم تستطع الحكومات السابقة وضع حد لهذا الانهيار الاقتصادي الكبير لدولةٍ نفطيةٍ كبيرةٍ، كان يفترض أن تكون في وضع أفضل.

يدرك الإيرانيون كل هذه المتغيرات في المشهدين، الدولي والإقليمي، ويضعونها في الحسبان، ويبحثون عن أي حدثٍ يمكّنهم من استعادة أنفاسهم، والخروج للحديث عن انتصارات سياسية لهم هنا أو هناك، في ظل حالة الشد والجذب مع أكثر من طرفٍ إقليمي، وخصوصا بعد الغرق الإيراني في مستنقع دعم المليشيات التي أرهقت الاقتصاد الإيراني، عدا عن إظهار إيران دولةً عدوا اليوم لكل المجتمعات العربية التي عانت وتعاني الكثير جرّاء هذه المليشيات الطائفية المدعومة إيرانيا، عدا عن أزمة الملف النووي والحصار وغيرهما.
ما الذي سيكسبه السعوديون من هذه المباحثات "الاستكشافية" كما يصفونها، والتي يديرها وزير الشؤون الخارجية، عادل الجبير؟ يعتقد الكاتب هنا أنهم أيضا مدفوعون، هم الآخرون أيضا، إلى هذه المباحثات، من زاوية ترتيب المشهد والهروب من تداعياته، مشهد الانسحاب الأميركي من أفغانستان، وأن تقديراتهم للتداعيات مبالغٌ فيها كثيرا، خصوصا أنه انسحاب ليس في صالح أي طرف إقليمي، بقدر ما هو في صالح دول المنطقة التي ينبغي أن تعوّل على نفسها وإمكاناتها، بدلا من الركون على الجانب الأميركي طويلا. لهذا كله، أرى أن السعوديين بالغوا في تقدير تداعيات الانسحاب الأميركي من أفغانستان، واعتقدوا ربما أنه سيكون لصالح إيران، وهو تقدير غير دقيق وغير صحيح، بالنظر إلى أن الانسحاب صبّ في غير صالح الإستراتيجية الإيرانية التي انكشف أمنها الإقليمي في أفغانستان وأذربيجان على حد سواء، بصعود نظام "طالبان" النقيض لنظامها تماما، عدا عن انتصار نظام إلهام علييف في باكو في حرب ناغورني كاراباخ العام الماضي، ومحاولة هذا النظام الظهور بمظهر المنتصر الذي يجب على إيران أن تنظر إليه من هذه الزاوية، وليس من زاوية التبعية والخضوع.
فالسعوديون هنا، وخصوصا في قبولهم بهذه المباحثات، بدون أي شروط، خدموا كثيرا الإيرانيين الذين يفاوضون وهم ربما في وضع أفضل في الملف اليمني الذي لعبت فيه السياسات السعودية والإماراتية بشكل سيئ، ما كان له أثره في إضعاف موقف الحكومة الشرعية اليمنية، وفي إنتاج مشهد مليشياوي متنافر ومنقسم، يصبّ انقسامه هذا في صالح مليشيات الحوثي، المدعومة إيرانيا. وكان يمكن للسعوديين أن يكونوا في موقع أكثر قوة في أي مباحثات من هذا القبيل، وخصوصا في الملف اليمني الذي قدّم فيه السعوديون تجربة سيئة للغاية، وخصوصا في سماحهم للإمارات بالعبث بهذ الملف، وتواطئهم معها أحيانا، وهو الملف الذي كان يمثل أهم نقاط القوة للسعودية في مواجهة النفوذ والتمدّد الإيرانيين في المنطقة، لما تمتلكه السعودية من عوامل القوة فيه، لكنها الحسابات السياسية الضيقة والصغيرة ساهمت في ارتباكهم بهذا القدر من الارتباك، وقد يخسرون هذا الملف تماما في حال استمرّوا في ممارسة السياسات نفسها تجاه الملف اليمني خصوصا، والذي يُعدّ الملف الوحيد الذي يمكن من خلاله سحق النفوذ الإيراني، وإعادة التوازن إلى المشهد الإقليمي المختل لصالح إيران ونفوذها عربيا.
ختاما، ليس أمام صانع القرار السياسي السعودي اليوم من فرصةٍ لإعادة التموضع والتوازن للمعادلة السياسية الإقليمية الراهنة، إلا بإعادة تعريف السياسة السعودية كلها في المنطقة، ومن ثم تجاوز كل الإخفاقات السابقة، إن على مستوى الإشكال السعودي الداخلي، أو الخارجي، وهذا لن يتأتّى إلا بإعادة قراءة كل عوامل الإخفاقات السابقة، وتجاوزها سريعا، بعيدا عن سياسة الارتياب والمخاوف المتوهّمة، فلدى السعودية من الإمكانات الكثير، ولكنها تفتقر للرؤية السياسية الاستراتيجية التي يمكنها بها تجاوز كل هذه الإخفاقات، والانطلاق نحو المستقبل بحساباتٍ وطنيةٍ عربيةٍ إسلاميةٍ عالمية، تعيد الاعتبار للعرب ودولهم الوطنية المنهارة بالتأجيج الطائفي المموّل إيرانيا، وهو المشروع الذي لن يتوقف إلا بتفخيخ الخليج كله، وإغراقه في أتون أزمة حربٍ طائفيةٍ لا تبقي على أيٍّ من أشكال الدول القائمة، وهذا ما بات اليوم شبه حاضر على أكثر من صعيد، ولا تزال إمكانية تفادي هذا المشهد بالإمكان أيضا إذا امتلكت المملكة وحلفاؤها إرادة المواجهة والانتصار.
*عن العربي الجديد

إعلان
تابعنا