السويد وفنلندا أمام "حافة الهاوية" التركية للانضمام إلى "الناتو"

15-06-2022 06:35:35    مشاهدات2086

واي إن إن - العربي الجديد

لا يوجد سؤال يطرح اليوم في كواليس صنع القرار الغربي، أكثر من الإشكالية التالية: هل تمنح تركيا الضوء الأخضر للسويد وفنلندا من أجل الانضمام إلى حلف الشمال الأطلسي "الناتو"؟
سؤال تزداد أهمية طرحه، قبل القمة المقبلة للحلف التي تحتضنها العاصمة الاسبانية مدريد يوم 29 يونيو/حزيران الحالي، حيث ينتظر قادة الدول ردّ أنقرة على طلب انضمام البلدين الإسكندنافيتين، القريبين من روسيا جغرافياً، إلى الحلف.
إلا أن هذا الرد بدأ يأخذ منحى إيجابياً، فبعد أن كان نفياً قطعياً في شهر مايو/أيار الماضي، أصبح اليوم أكثر سلاسة في الطرح بالرغم من عدم تغيير لهجة الخطاب التركي في طرح هذا الملف.
اليوم باتت تركيا "تهدد بتأجيل انضمام استوكهولهم وهلسنكي للحلف لمدة عام آخر"، حسبما أكدته صحيفة "ذا غارديان" البريطانية، محافظة على نفس الحجج في طرحها، وأبرزها أن البلدين يمثلان "محضنة" لجماعات وكيانات سياسية إرهابية بالنسبة لتركيا، وموجودين ضمن القائمتين الأوروبية والأميركية للكيانات الإرهابية، وفي أغلبهم يمثلون الأقلية الكردية، وأبرزهم "حزب العمال الكردستاني"، وكذلك أن الدولتين تفرضان حظرا على تصدير الأسلحة لها بسبب التدخل التركي في شمال سورية.
"سياسة حافة الهاوية"
ولهذا تطالب أنقرة، من خلال هذه الحجج بـ 3 مطالب أساسية، وهي أن يتم تسليم ناشطين أكراد ووقف الدعم لهذه الكيانات، ورفع حظر تصدير الأسلحة.
تركيا، ثاني أكبر قوة عسكرية في حلف الشمال الأطلسي، باتت اليوم تعمل على اللعب على هذه المطالب الثلاثة في مفاوضاتها مع دول حلف الشمال الأطلسي، حول مطلب انضمام السويد وفنلندا إلى الحلف.
فمن جهة، تعلم تركيا جيدا أنه لا يمكن لدول الشمال الإسكندنافي أن تمضي في خطة تسليم النشطاء الأكراد اللاجئين على أراضيها، لأن ذلك يضرب في الصميم مدونة حقوق الإنسان التي تعتبر محورا من محاور سياستها الديمقراطية الاجتماعية، ويمكن لمثل هذه الخطوة أن تعرض نظامها السياسي لأخطار مستقبلية، فخطوة مثل هذه قد تدفع ثمنها اجتماعيا، خصوصا إذا كان التسليم غير مستند لحكم قضائي بات من قبل محاكم في هذين البلدين، ويعارض المدونة القانونية السويدية في تسليم المجرمين.
وفي هذا السياق، يمكن أن نذكر أن الحكومة السويدية، كانت قد نجت مؤخرا من تصويت على حجب الثقة بعد تصويت النائبة السويدية من أصل كردي أمينة كاكاباوه، والتي كانت مقاتلة في القوات الكردية "البشمركة" في العراق، والتي أكدت أنها تلقت "ضمانات حكومية غير محددة"، حسب ما جاء في صحيفة "ذا غارديان" البريطانية.
ومن جهة أخرى، تدرك تركيا جيدا أن هلسنكي واستوكهولم، تريدان الانضمام لحلف الشمال الأطلسي، مخافة من أي مغامرة روسية قادمة على ضفاف بحر البلطيق ومن ضفاف بحر الشمال، قد تشمل احتلال بعض أراضيهما على شاكلة ما يحدث في أوكرانيا، سيمثل ضغطا جديدا عليهما، وهو ما يمثل ورقة قوية لأنقرة في زيادة ضغوطها، إلا أن هذه الضغوطات من الممكن أن تستثمرها تركيا في زيادة شروطها أو إعادة توزيع طبيعتها، بحيث يمكنها التغاضي على مطلب تسليم النشطاء الأكراد مقابل مطالب أخرى، وهو نفس التكتيك التفاوضي الذي مارسته تركيا سابقا، خصوصا في أزمة اللاجئين مع الاتحاد الأوروبي، وما يمكن تلخيصه في سياسة "حافة الهاوية" التي أتقنتها أنقرة منذ سنة 2010 والتخلي عن دبلوماسية "تصفير الأعداء" التي نظر اليها وزير خارجيتها السابق أحمد داود أوغلو.
فاليوم يبدو أن تركيا تدفع، بمرحلية دبلوماسية ذكية، السويد وفنلندا نحو الهاوية، إلا أنه يمكن أن ترمي لهما بنصف حبل للنجاة من "السقوط في الهاوية"ـ والتي تتمثل في حالتنا هذه عدم موافقتها على الانضمام إلى حلف الأطلسي- مقابل شروط جديدة تكون في المتناول ومقدور عليها من الدولتين أو من قبل بقية الدول.
"لاعب النرد"
فأنقرة يمكنها مثلا طلب حزم مساعدات اقتصادية ومالية لاقتصادها الذي يعاني من نسب تضخم خيالية وقياسية وصلت 73.5 بالمائة، حسب ما جاء في صحيفة زمان التركية، كما يمكنها أن تعيد تحريك ملف شراء طائرات "اف 35" من الولايات المتحدة من جديد، وكذا ملف تدريب طياريها ضمن برامج حلف الشمال الأطلسي، أو كذلك فرض تصورها في علاقتها باليونان، فيما يتعلق بالنزاع البحري حول جزر بحر إيجه وأحقية التنقيب عن الغاز الطبيعي في شرق البحر الأبيض المتوسط.
وبالرغم من أن تركيا يمكنها أن تلعب على كل هذه الأوتار في تحسين وضعيتها التفاوضية في حلف الناتو، إلا أن موافقتها على انضمام السويد وفنلندا لحلف الشمال الأطلسي قد يضع علاقتها بروسيا في الميزان، خصوصا وأن موسكو قد تنظر إلى مثل هذه الخطوة كأنها "مساهمة تركية" في جهود احتوائها جيوسياسيا من قبل الغرب، وهو ما يضع أنقرة في موضع "لاعب النرد".
فالعلاقات التركية الروسية تشابكت كثيرا منذ سنة 2015، انطلاقا من التوافق حول الصراع في سورية، مرورا بتلاقي الطرفين حول الصراع في إقليم كارباخ المتنازع عليه بين أذربيدجان وأرمينيا في القوقاز، وصولا إلى دورها المتقدم في الأزمة الأوكرانية الحالية، والتي حاولت فيها تركيا مسك العصا من المنتصف، ولعب دور عسكري مع أوكرانيا مقابل دور لوجستي مع روسيا، وهو ما يبدو أنه أقنع وجهة النظر التركية على مضض.
إلا أن أبرز ما يمكن لتركيا أن تخسره في هذا السياق، هو التقارب الغازي بين الطرفين، والذي توج بعديد من المشروعات المشتركة من أنابيب غازية روسية تمر عبر الأراضي التركية، إضافة لنجاح هذه الاستراتيجية في تليين موقف أوروبا من تركيا.
ويبدو أن تركيا اليوم تتحرك في بحر من الرمال المتحركة، تعتمد في شق طريقها على سياستي "حافة الهاوية" مع نظرائها الأطلسيين، و"اللعب بالنرد" مع روسيا، فيما يجب الإدراك جيدا أن الرئيس التركي سيكون بعد سنة من الآن أمام امتحان سياسي انتخابي برلماني جديد لا تبدو ملامح الفوز فيه واضحة، في وقت تتكتل فيه الصعوبات الاقتصادية على المواطن التركي، مما قد يخلق مأزقا لـ"السلطان" لا خروج منه إلا باللعب على أوتار "القومية التركية".

إعلان
تابعنا